التحول نحو الخدمات بما يتجاوز المنتج.

التحول نحو الخدمات بما يتجاوز المنتج.

إن التصنيع القائم على الخدمات لا يمثل مجرد تحول في نموذج الأعمال، بل هو تحول في مقال بقلم Roberto Sala، باحث في Università degli Studi di Bergamo وعضو في مجموعة CELS البحثية.
Giuditta Pezzotta، أستاذة مشاركة في Università degli Studi di Bergamo – Marco Ardolino، باحث في قسم الهندسة الميكانيكية والصناعية في Università degli Studi di Brescia – Federico Adrodegari، أستاذ مشارك في Università degli Studi di Brescia، ويعمل في مجال الهندسة الصناعية.

العمل نفسه. فعندما تنتقل الشركات من بيع المنتجات إلى الإدارة المستمرة لحلول متكاملة على امتداد الزمن، تتغير بصورة عميقة البنية التنظيمية الداخلية، والمهارات المطلوبة، والعلاقة بين الأفراد والتقنيات.

لم يعد خلق القيمة ينتهي عند تسليم المنتج، بل يتطلب القدرة على إدارة أنظمة معقدة طوال دورة الحياة بأكملها، من خلال دمج البيانات والخدمات الرقمية والخبرات التقنية.

ويعيد هذا التحول تعريف الأدوار والمسؤوليات وعمليات اتخاذ القرار: تظهر شخصيات مهنية هجينة تجمع بين المعرفة الهندسية وتحليل البيانات والمهارات التفاعلية، بينما تصبح الهياكل التنظيمية أكثر تكاملًا بين الوظائف وأكثر توجّهًا نحو التعاون المستمر مع العميل.

وتستند الأفكار المعروضة هنا إلى الخبرة المكتسبة ضمن مشروع MICS – المسار 7.1 “Pay-per-X” – وإلى أنشطة البحث التي ينفذها مركز ASAP المشترك بين الجامعات، والذي قام خلال السنوات الأخيرة بتحليل تطور نماذج التصنيع القائم على الخدمات والتكامل بين الذكاء الاصطناعي والخدمة وتنظيم العمل في قطاع التصنيع الأوروبي.

من الصيانة التنبؤية إلى Operations intelligence

اتسمت المرحلة الأولى من التصنيع الرقمي القائم على الخدمات بإدخال تقنيات إنترنت الأشياء وأدوات المراقبة عن بُعد. فقد أتاحت أجهزة الاستشعار والاتصال والمنصات السحابية جمع البيانات حول ظروف تشغيل الأصول والتنبؤ بالأعطال من خلال نماذج استباقية. واليوم ندخل مرحلة أكثر تطورًا. لم يعد كافيًا التنبؤ بحدوث خلل، بل يجب دمج المعلومات ضمن عمليات منظمة لاتخاذ القرار. فالهدف ليس فقط تقليل أوقات التوقف، وإنما تحسين دورة حياة الخدمة بأكملها بصورة منهجية.

ويزداد الحديث عن Operations intelligence: وهي مجموعة من القدرات التي تحوّل البيانات التشغيلية إلى إجراءات ملموسة. ويعني ذلك تخطيط التدخلات الفنية بصورة ديناميكية، وإدارة الأولويات في الوقت الفعلي، ودعم الفنيين الميدانيين بمساعدين رقميين، وتحسين مسارات فرق الخدمة، وفي بعض الحالات تعديل التسعير وفق ظروف الاستخدام الفعلية.

لا تكمن القيمة في البيانات بحد ذاتها، بل في القدرة على إدارة الأداء المتعاقد عليه بصورة مستمرة. ففي نموذج outcome-based، يكون لكل قرار تشغيلي أثر اقتصادي مباشر. ولذلك يصبح الذكاء الاصطناعي (AI) أداة لدعم الإدارة وليس مجرد أداة تحليلية.

ومع ذلك، يترتب على هذا التطور تغير كبير في دور الأشخاص. فصانع القرار لا يختفي، بل يعمل في سياق يتوسطه بشكل متزايد عدد من الأنظمة الخوارزمية. والتحدي ليس استبدال الخبرة البشرية، وإنما دمجها في عمليات human-in-the-loop، حيث تظل المسؤولية والرقابة محددتين بوضوح.

عندما تشمل الخدمة أنظمة مستقلة

تتمثل مرحلة تطورية أخرى في دمج مكونات مادية مستقلة داخل نماذج التصنيع القائم على الخدمات. فالروبوتات التعاونية والأنظمة المتنقلة الذاتية والأجهزة الذكية لم تعد محصورة داخل خطوط الإنتاج، بل أصبحت جزءًا من عرض الخدمة.

وفي البيئات التي تتسم بارتفاع مستوى المخاطر أو البعد الجغرافي أو نقص المهارات المتخصصة، يمكن لاستخدام الأنظمة المستقلة أن يقلل أوقات التدخل، ويرفع مستويات السلامة، ويضمن استمرارية تشغيلية أكبر. ويمكن التفكير، على سبيل المثال، في أعمال الصيانة داخل البيئات الخطرة، أو عمليات الفحص في المناطق التي يصعب الوصول إليها، أو التدخلات في حالات الطوارئ.

ويضيف ذلك بُعدًا جديدًا إلى تصميم نماذج outcome-based. فإذا تم تقديم جزء من الخدمة من خلال أنظمة مستقلة، يصبح من الضروري إعادة التفكير في توزيع المسؤوليات وإدارة المخاطر وهيكل التكاليف. وقد يكون الاستثمار الأولي كبيرًا، غير أن إمكانات قابلية التوسع مرتفعة.

وفي هذا السياق، لا تمثل الروبوتات مجرد تكنولوجيا إنتاجية، بل تصبح عاملًا تمكينيًا لنماذج خدمات technology-mediated، حيث يؤدي الجمع بين المشغلين البشريين والأنظمة الرقمية والأجهزة المادية المستقلة إلى إنشاء أشكال تنظيمية جديدة.

ويثير هذا السيناريو تساؤلات مهمة: كيف يمكن ضمان السلامة؟ من يتحمل المسؤولية عند حدوث خطأ؟ كيف يمكن دمج خبرة الفني مع قدرات النظام المستقل؟ لا يمكن أن تكون الإجابة تكنولوجية فقط، بل هي مسألة حوكمة وتصميم تنظيمي.

المساءلة ومناطق رمادية جديدة في اتخاذ القرار

إن الإدخال الواسع لأدوات التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في العمليات القائمة على الخدمات يفتح حتمًا مناطق رمادية جديدة في ما يتعلق بالمسؤولية. فإذا اقترحت خوارزمية قرارًا يؤثر في أداء منشأة أو سلامتها، فمن يتحمل المسؤولية؟

في النماذج التقليدية، تكون سلسلة المسؤولية خطية نسبيًا. أما في النماذج القائمة على البيانات، فقد يكون القرار نتيجة تفاعل معقد بين الأنظمة الآلية والمدخلات البشرية والقواعد التعاقدية.

وتبرز أهمية هذا الموضوع بشكل خاص في العقود outcome-based، حيث يرتبط الأداء مباشرة بالالتزامات الاقتصادية. ولذلك تصبح الشفافية وقابلية التتبع وإمكانية تفسير القرارات الخوارزمية متطلبات ليست أخلاقية فحسب، بل تعاقدية أيضًا.

كذلك، يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الامتثال وتعقيد اللوائح إلى زيادة الفجوة بين الشركات الكبرى والشركات الصغيرة والمتوسطة. فالمنظمات التي تمتلك موارد أكبر تكون أكثر قدرة على تطوير أنظمة حوكمة متقدمة، بينما قد تجد الشركات الأصغر نفسها في موقع تابع داخل المنظومات.

إن التحول الرقمي للتصنيع القائم على الخدمات ليس محايدًا، فهو يعيد تشكيل توازنات القوة ويتطلب تصميمًا دقيقًا للمسؤوليات.

مهارات هجينة وتحول ثقافي

من أكثر القضايا حساسية مسألة المهارات. فالنماذج القائمة على الخدمات والمرتبطة بالأداء تتطلب شخصيات مهنية قادرة على الجمع بين المعرفة التقنية والرقمية والتعاقدية والتنظيمية. يجب على فني الصيانة فهم منطق تحليل البيانات؛ ويجب على محلل البيانات معرفة كيفية عمل المنشآت؛ ويجب على المسؤول التجاري أن يكون قادرًا على التفاوض بشأن عقود مرتبطة باتفاقيات SLA معقدة؛ بينما يتعين على الإدارة دمج الأبعاد الاقتصادية والتشغيلية والبيئية في تقييم الأداء.

ولا يتعلق الأمر بمجرد إضافة وظائف جديدة، بل بتعزيز التداخل والتكامل بين الأدوار، إذ يزيل التصنيع القائم على الخدمات الحواجز الوظيفية التقليدية بين الإنتاج والخدمة وتقنية المعلومات والمجال التجاري.

كما يتطلب هذا التحول تغييرًا ثقافيًا. ففي النموذج القائم على البيع، يُقاس النجاح بحجم المبيعات والهوامش قصيرة الأجل. أما إذا كان نموذج الأعمال قائمًا على الأداء، فإن النجاح يعتمد على جودة العلاقة مع مرور الوقت. وتصبح الشفافية وتبادل البيانات والإدارة التعاونية للمخاطر عناصر محورية. وبالنسبة إلى كثير من المنظمات، لا يمثل التحدي الأكبر مشكلة تقنية، بل مسألة تتعلق بالهوية.

مخاطر الاستقطاب والتحدي الأوروبي

إذا لم تتم إدارته بصورة مناسبة، فقد يؤدي التصنيع الرقمي القائم على الخدمات إلى استقطاب السوق. فقد تتمكن مجموعة محدودة من الجهات المنسقة للمنظومات، والتي تمتلك بنى تحتية متقدمة للبيانات ومنصات مملوكة، من تركيز حصة متزايدة من القيمة. وفي المقابل، قد يجد عدد كبير من الموردين التابعين أنفسهم يعملون بهوامش مضغوطة واستقلالية استراتيجية محدودة.

ويمثل هذا السيناريو خطرًا ملموسًا بالنسبة إلى النظام الصناعي الأوروبي، الذي يتميز بحضور قوي للشركات الصغيرة والمتوسطة شديدة التخصص. ويتمثل التحدي في بناء نماذج قابلة للتشغيل البيني، ومعايير مشتركة، وبنى تحتية للبيانات تحد من الاعتماد المفرط.

لن تعتمد المنافسة العالمية فقط على جودة المنتجات أو مستوى التطور التكنولوجي، بل أيضًا على القدرة على تنسيق منظومات معقدة مع الحفاظ على التوازن بين الابتكار والمسؤولية والشمول.

ما بعد التجربة: جعل النموذج قابلًا للتوسع

لقد تم تجاوز المرحلة الريادية الأولى. فالتقنيات موجودة، والنماذج التعاقدية تم اختبارها، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات أصبحت أكثر نضجًا. أما المسألة الحقيقية فهي قابلية التوسع. وجعل نموذج outcome-based قابلًا للتوسع يعني امتلاك مؤشرات مشتركة، وأنظمة مراقبة موثوقة، وآليات تسعير مستدامة، وحوكمة قوية للبيانات. كما يعني الاستثمار في التدريب المستمر وإعادة تصميم المسارات المهنية.

إن التصنيع القائم على الخدمات ليس مشروعًا لتقنية المعلومات، ولا مبادرة معزولة لقسم الخدمة. إنه تحول استراتيجي يشمل المنظمة بأكملها. وخلال العقد المقبل، ستواجه الصناعة الأوروبية خيارًا واضحًا: استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات كأدوات تكتيكية لرفع الكفاءة، أو دمجهما ضمن رؤية منهجية تركز على الأداء والاستدامة والثقة.

وسيحدد الفرق بين هذين المسارين ليس فقط قدرة الشركات على المنافسة، بل أيضًا جودة العمل الصناعي وقدرة أوروبا على الحفاظ على دور مركزي في سلاسل القيمة العالمية.

نزيد قيمة شركتك على المدى الطويل

نزيد قيمة شركتك على المدى الطويل

اكتشف خدماتنا الاستشارية